سيد قطب
2634
في ظلال القرآن
بعلمهم إليه ؟ ما ذا جنت غير الضحايا الوحشية في قنبلتي « هيروشيما » . و « ناجازاكي » وغير الخوف والقلق الذي يؤرق جفون الشرق والغرب ويتهددهما بالتحطيم والدمار والفناء « 1 » ؟ وبعد تلك الإشارة إلى الإنعام بمنة العلم على داود وسليمان ، وحمدهما للّه ربهما على منته وعرفانهما بقدرها وقيمتها يفرد سليمان بالحديث : « وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ . وَقالَ : يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ ، وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ . إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ » . . وداود أوتي الملك مع النبوة والعلم . ولكن الملك لا يذكر في صدد الحديث عن نعمة اللّه عليه وعلى سليمان . إنما يذكر العلم . لأن الملك أصغر من أن يذكر في هذا المجال ! « وورث سليمان داود » والمفهوم أنها وراثة العلم ، لأنه هو القيمة العليا التي تستأهل الذكر . ويؤكد هذا إعلان سليمان في الناس : « قال : يا أيها الناس علمنا منطق الطير ، وأوتينا من كل شيء » . . فيظهر ما علمه من منطق الطير ويجمل بقية النعم مع إسنادها إلى المصدر الذي علمه منطق الطير . وليس هو داود . فهو لم يرث هذا عن أبيه . وكذلك ما أوتيه من كل شيء إنما جاءه من حيث جاءه ذلك التعليم . « يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ » . . يذيعها سليمان - عليه السّلام - في الناس تحدثا بنعمة اللّه ، وإظهارا لفضله ، لا مباهاة ولا تنفجا على الناس . ويعقب عليها « إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ » فضل اللّه الكاشف عن مصدره ، الدال على صاحبه . فما يملك تعليم منطق الطير لبشر إلا اللّه . وكذلك لا يؤتي أحدا من كل شيء - بهذا التعميم - إلا اللّه . وللطيور والحيوان والحشرات وسائل للتفاهم - هي لغاتها ومنطقها - فيما بينها . واللّه سبحانه خالق هذه العوالم يقول : « وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ » ولا تكون أمما حتى تكون لها روابط معينة تحيا بها ، ووسائل معينة للتفاهم فيما بينها . وذلك ملحوظ في حياة أنواع كثيرة من الطيور والحيوان والحشرات . ويجتهد علماء هذه الأنواع في إدراك شيء من لغاتها ووسائل التفاهم بينها عن طريق الحدس والظن لا عن الجزم واليقين . فأما ما وهبه اللّه لسليمان - عليه السّلام - فكان شأنا خاصا به على طريق الخارقة التي تخالف مألوف البشر . لا على طريق المحاولة منه والاجتهاد لتفهم وسائل الطير وغيره في التفاهم ، على طريق الظن والحدس ، كما هو حال العلماء اليوم . . أحب أن يتأكد هذا المعنى ويتضح لأن بعض المفسرين المحدثين ممن تبرهم انتصارات العلم الحديث يحاولون تفسير ما قصة القرآن عن سليمان - عليه السّلام - في هذا الشأن بأنه نوع من إدراك لغات الطير والحيوان والحشرات على طريقة المحاولات العلمية الحديثة . وهذا إخراج للخارقة عن طبيعتها ، وأثر من آثار الهزيمة والانبهار بالعلم البشري القليل ! وإنه لأيسر شيء وأهون شيء على اللّه ، أن يعلم عبدا من عباده لغات الطير والحيوان والحشرات ،
--> ( 1 ) قال البروفسور « م . ي . أولي فنيت » الأستاذ بجامعة برمنجهام وعضو الهيئة الصناعية في إعداد القنبلة الذرية . بعد حادثي هيروشيما وناجازاكي : « وأنا على يقين أنه سيظهر في مدة قصيرة على مسرح العالم قنابل تفوق القنابل الأولى بعشرة آلاف طن في قوة الانفجار . وستليها قنابل قوتها مليون طن ، ولا ينفع في التوقي منها دفاع أو احتياط . وإن ست قنابل من هذا القبيل تكفي لتدمير إنجلترا على بكرة أبيها » . وقد صحت نبوءته وأنتجت القنابل الهيدروجينية التي تعد قنبلتا هيروشيما وناجازاكي بالقياس إليها لعبة أطفال ! وبهذه المناسبة نذكر أن قنبلة هيروشيما قد قتلت لفورها من اليابانيين من يتراوح عددهم بين عشرة ومائتي ألف وأربعين ومائتي ألف . وذلك غير المشوهين والمحروقين الذين ماتوا بعد ذلك . وهم يعدون بعشرات الألوف ! !